“لا تطلق الصافرة يا سيدي” كانت البداية.. فهل يكون الوداع الأخير يا زيزو؟

طالما كانت العلاقة بين زين الدين زيدان وجماهير ريال مدريد فريدة من نوعها، تكونت وتوطدت منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها “زيزو” النادي وحتى ما يقرب من العشرين عامًا مازالت بنفس رونقها.

علاقة يعلم طرفاها أنه لم يكتب لها أن تنتهي عند فصل واحد ولكنها ممتدة لما هو أبعد، حتى عندما يرحل زيدان في كل مرة، يبدو أنه مقدر له العودة إليهم وهم دومًا في الانتظار، الارتباط الوثيق بينهم لم يكن فقط بسبب مهارات زيزو، ولا لأنه أحد أفضل من داعب الكرة ولكن ربما السبب الأهم، أنه ينتمي إليهم ويشاركهم حب ريال مدريد هنا نروي فصولًا من قصة زيدان والمدريديستا.

لعب زيزو بالقميص الأبيض الملكي قرابة الخمس سنوات، نشأ خلالهم جيل صغير محب للفريق بسبب زيدان كما ازداد شغف المشجعين القدامى بالكرة مرة أخرى، أيضًا من أجله حقق زين الدين مع النادي عدة ألقاب، متمثلة في الدوري الإسباني وكأس السوبر ودوري الأبطال، وكذلك السوبر الأوروبي وكأس الانتركونتيننتال، بجانب استيلائه على قلوب الجماهير، وإعجاب المنافسين خلسة، وكيف لا تحب زيدان وتعشق الكرة بين قدميه..

 

الوداع الأول

 

يبدو أننا شارفنا على نهاية الفصل الأول من القصة، حيث رأى زيدان أنه قد حان وقت تعليق الحذاء في السادس والعشرين من إبريل 2006 فاجئ زيزو العالم بأجمعه أنه قرر إنهاء مسيرته الكروية بعد كأس العالم مباشرة، مما يعني أنه سيلعب مباراته الأخيرة بقميص ريال مدريد أمام فياريال بعد حوالي عشر أيام، ومن ثم يذهب للمونديال وبعدها يعود لصفوف الجماهير المحبة، تحدث بكلمات بسيطة قائلًا: “أن اتخاذ قراري بإنهاء مشواري بالمونديال هو رمز لخاتمة تعبر عما حققته حتى اليوم” .

وقال في لقاء آخر: “إنني لا أرى نفسي بطلًا خارقًا فأنا لا أنقذ الأرواح، أنا فقط أمارس كرة القدم، اللعبة التي أحبها”.

لم يرى زيدان نفسه بطلًا حين رأته أعين المحبين، البطل الأوحد دائمًا.

 

لا تطلق الصافرة سيدي الحكم

 

في السابع من مايو ارتدى زيدان قميصه الأبيض للمرة الأخيرة على ملعب سنتياجو بيرنابيو الذي طالما كان بيتاً له..

اليوم يودعه ويودع كل شيء لم يلبي الحكم طلب أحد الجماهير الحاضرة، والذي رفع لافتة كُتب بها: “لا تطلق الصافرة سيدي الحكم حتى لا يغادرنا زيدان”.

لكنه ومع الأسف أنهى اللقاء وسط دموع زيدان وزملائه والمحبين في الملعب وفي العالم كله، في مشهد لم تظنه الجماهير سيأتي بهذه السرعة ولكنه أتى، اتجه زيزو للمونديال ليحمل على عاتقه أحلام الفرنسيين في التتويج وأحلام المدريديستا في رؤيته حاملًا الكأس مرة أخرى قبل الوداع الأخير.

 

اصطدمت رأسك بقلبي أيضًا يا زيدان

 

في النهائي المُرتقب والمباراة الأخيرة لزيزو في الملاعب..

حيث ينتظر العالم ليرى كيف يكون مشهد الختام لكنه في الحقيقة جاء أسوأ من كل التوقعات ولم تجري الأمور أبداً كما خطط لها، جاء المشهد الأخير قبل موعده بدقائق معدودة، كانت كفيلة أن تقلب الطاولة على رأس الفرنسي في تلك اللحظة التي اصطدمت فيها رأس زيدان بضلوع ماتيرازي، اصطدمت بقلوب محبيه أيضًا، لتتسارع الأنفاس مع رؤية الحكم يركض اتجاهه رافعًا البطاقة الحمراء، ليقضي على كل شيء في لحظة تحطمت أحلام زيزو في التتويج، وتحطمت قلوب الجماهير الذين لم يتمنوا أبدًا أن يكون المشهد الختامي لأسطورتهم بمثل هذا السوء في الحقيقة، لم يهتم أحد بشأن ضلوع ماتيرازي وانصب الاهتمام بالكامل على خروج زيدان من الملعب مطرودًا في آخر مرة تلمس قدماه العشب الأخضر، مع هذا المشهد اللعين أُسدلت الستار على مسيرة أحد أمتع اللاعبين بالإقصاء، نهاية لم يكن يستحقها أبدًا ولكن لم تنتهي القصة بالكامل هنا، مازال للرواية عدة فصول..

 

التلميذ النجيب

 

لم يكتفي زيدان بكونه لاعب اسطوري يغنيه تاريخه عن أي شيء آخر، ولكن أراد أن يسطر لنفسه تاريخًا موازيًا في عالم التدريب، فاختار المعلم الأفضل أو ربما كان محظوظًا أن يختاره كارلو أنشيلوتي، ليصبح مساعدًا له في تدريب ريال مدريد حسنًا لقد عاد للبرنابيو مرة أخرى..

كل جنبات الملعب تشتاق إليك يا زيزو تلك هي الخطوة المهمة التي احتاجها لتؤهله أن يصبح الرجل الأول فيما بعد..

قضى زيدان عامًا بالقرب من أنشيلوتي، استشف منه الكثير، هدوئه، تركيزه، قربه من اللاعبين، وحتى طريقة الحديث للصحافة، دائمًا ما تجد تشابه بين الكبيرين، تعلم أن تصبح ابتسامته أفضل وسيلة ليُجيب على كل شيء، دون أن يقول شيء، هكذا أصبح زيزو خلال هذه السنة، حقق زيدان مع أنشيلوتي اللقب العاشر من دوري أبطال أوروبا بعد غياب دام لعشرة سنوات منذ حققها كلاعب، هذه البطولة التي يعتبرها المدريديستا البطولة الأغلى والأهم في تاريخهم، والتي كانت بداية لعودة ريال مدريد للسيطرة على القارة بالكامل دون أن يرحم أحد..

زيدان وأنشيلوتي

وبالطبع كان زيدان جزءًا من الحدث، لم يهدر التلميذ المجتهد الوقت المتاح له مع معلمه، فتعلم وفهم وأصبح جاهزًا الآن ليصبح صاحب الكلمة العليا..

 

أهم رجل في العاصمة الإسبانية

 

بعدما قضى المدرب الفرنسي عامًا أخر كمدرب لفريق الكاستيا بالنادي يبدو أنه حان الوقت ليكتب فصلًا جديدًا من روايته، ربما هو الفصل الأكثر متعة حتى الآن، حين طُرح اسم زين الدين زيدان لتدريب الفريق الأول، لم يكن أحد يعلم كيف ستسير الأمور، وبالتأكيد كانت هناك الكثير من الأصوات المُعترضة لقلة خبراته التدريبية، ولكن اختارت إدارة النادي أن تضع ثقتها بالكامل فيه.

تحدث فلورنتينو بيريز في المؤتمر الصحفي قائلًا: “هو يعلم قبل الجميع صعوبة أن تسند إليه هذه المهمة، لكنه قبل التحدي، إنه لفخر كبير لي تقديمك كمدرب لريال مدريد.. لأنك لا تعرف المستحيل” .

حتى وأن لم تكن النتائج جيدة بالشكل الكبير إلا أنه سرعان ما اكتسب زيزو ثقة الجميع في العاصمة، استطاع أولًا السيطرة على غرفة ملابس تضم أغلى وأفضل لاعبي العالم، واستطاع أن يكون قريب منهم دون تخطي حاجز السيطرة والاحترام، زيدان كان قدوة لهم جميعًا..

كل منهم يحب أن يمتلك تاريخًا مماثل له..

لا أحد يعترض على قرارته..

لا أحد يرى نفسه عظيمًا بمفرده..

في وجود زيدان لا أحد أعظم ولا كلمة تعلو فوق كلمته..

روح زيزو

 

استطاع أن يبث فيهم من روحه العنيدة، ليصبح كل منهم يُقاتل في مركزه من أجل الفريق، ومن أجل زيدان أصبحت الجماهير تهتف باسمه، ومع حصوله على دعم كامل من الإدارة.

هكذا اكتملت عناصر ومقومات الحادية عشر، باتت بصمات زيدان واضحة على الفريق حتى وبعد خسارة الدوري والكاس، لكنه استطاع وبعد ستة أشهر فقط من تعيينه، أن يجلب كأس البطولة الحادية عشر من دوري أبطال أوروبا لخزينة النادي، ليتحول زيدان إلى بطلًا قوميًا يدرب النادي صاحب أكثر عدد من بطولات أوروبا، و يمتلك في فريقه هداف النسخة الحالية من البطولة، وصاحب الفضل الأكبر في التتويج.

تحول التشكيك في قدراته التدريبية إلى يقين باستحقاقه لهذا المكان بكل تأكيد، في العام الذي يليه ودون أي توقع لما سيحدث، فاجئ زيدان الجميع بتحقيق لقب الدوري، وذهب بالفريق إلى كارديف ليواجه يوفنتوس، وعاد ومعه الضيف الأقرب للقلوب، عاد بالكأس الثانية عشر.

نعم زيدان والريال على عرش أوروبا للعام الثاني على التوالي، تعيش جماهير مدريد أسعد أيامها مع زيدان، و مازال يمتلك الكثير ليسعدهم بالثالثة، وفي سابقة لم تحدث من قبل مع مدرب في التاريخ، استطاع زيدان تحقيق اللقب الثالث على التوالي من دوري الأبطال، والبطولة الثالثة عشر للنادي.

الإعجاز الذي يحققه المدرب الهادئ، الذي شكك الكثير في قدرته على تحقيق أي شيء..

ثلاث سنوات متتالية من الاحتفالات المستمرة في مدريد، وكل سنة أفضل من سابقتها، ريال مدريد كل عام أفضل، وبسبب زيدان جاء قبل عامين ونصف إلى دكة هذا الفريق وهو أسطورة كلاعب، جاء من أجل الفوز، واليوم هو أسطورة تدريبية و عقل يخشاه الجميع، إنه زين الدين زيدان.

 

لتتوقف الموسيقى.. أبطال كييف هنا

 

يبدو وكأنه لابد أن تتوقف الموسيقى قليلًا..

هناك أمر جلل، زيدان يريد الرحيل بعد أن عاشت مدريد أربع ليالٍ من السعادة الغامرة، جاء ما يُعكر صفو ابتساماتهم، اختار أن يرحل في هذا التوقيت المثالي محمولًا على الأعناق، بعدما حقق كل ما كان بوسعه تحقيقه، وكتب تاريخًا لنفسه ولريال مدريد، ربما لن يستطيع مدرب آخر كتابة مثله على المدى القريب، رحل وترك في نفوس الجماهير لذة الانتصار وغصة الوداع.

بعدما اطمئنوا أنه سيبقى دائمًا ويستمر في تحقيق الانتصارات، كما بدأها ولكن كُتب لكل شيء أن ينتهي هنا، خضع الجميع للأمر الواقع وسلموا لرحيل الأسطورة، ولكنهم على يقين أنه سيعود مجددًا، ولم يخيب زيدان ظنهم.

 

لقد عاد

 

هذا الرجل الذي يحضر دائمًا حين تُفكر في المساعدة، في ظل سوء مستوى الفريق، وبعد تسعة أشهر من رحيله، وبعدما رحل أيضًا نجم الفريق رونالدو، تعيش مدريد أيامًا صعبة على ما يبدو، ولكن هنا زيدان تفاجئ الجميع بعودته مرة أخرى للملكي، قائداً للدكة والمستطيل وكل شيء.

عاد رغم العروض المغرية التي أُتيحت له من أندية أخرى، والتي رفضها كلها من أجل ريال مدريد..

عاد زيدان ليُحقق لقب الدوري وكأس السوبر، وظل هنا لقرابة العامين ربما صادفه سوء الحظ مرات، وأيضًا عدم توافر اللاعبين ذو الجودة المطلوبة لفريق مثل الريال، ولكنه ظل للحظة الأخيرة يُدافع عنهم ويدفعهم للأمام، كما اعتاد أن يفعل دائمًا.

 

هل سيصبح الوداع الأخير

 

بعدما خرج الفريق من الموسم خالي الوفاض بلا أي مكاسب تذكر، يبدو أنه على وشك خسارة مدربه أيضًا، بات قاسيًا على الجماهير أن تصدق وتستسلم بأن النهاية قد حانت مرة أخرى، بعدما ظنوا أنه لا وداع مجددًا، ربما رحيل زيدان بالنسبة إليهم هو أسوأ حتى من خسارة كل البطولات هذا العام، هذه المرة ليست فقدان لاعب ومدرب أحبوه، ولكن شخص تعلقت آمالهم وابتساماتهم بوجوده، سيرحل زيدان تاركًا خلفه إرثًا يؤرق من يليه..

سيرحل تاركًا كلماته عالقة بآذان لاعبيه وتعليماته الفنية عالقة بالعشب الاخضر..

سيفتقد البرنابيو ضحكته في الفوز وصمته عند الهزيمة..

ستفتقد الكؤوس أن يحملها هذا العبقري ليحتفل بها، لن يستطيع أحد أن يقترب من مكانته في قلب كل مشجع مدريدي، وإن بات الوداع قريبًا، فهم على يقين أنه سيعود مجددًا يومًا ما ليستكملوا معًا ما بدأوه سويًا، سيعود لأنه ينتمي إلى هنا، ليبني فريق جديد يحمل بداخله حب ريال مدريد، ويقاتل من أجله مثلما فعل دائمًا زين الدين زيدان إلى أن نلتقي ثانيةً.

 

بقلم رحاب وحيد

اترك تعليقا